نصر حامد أبو زيد

83

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

بعضهم : لو سألتموه ، فقالوا : حدثنا عن الروح ، فقام ساعة ورفع رأسه فعرفت أنه يوحى اليه ، حتى صعد الوحي ، ثم قال . قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا . وأخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس قال : قالت قريش لليهود : أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل فقالوا اسألوه عن الروح ، فسألوه فأنزل اللّه : ويسألونك عن الروح الآية . فهذا يقتضي أنها نزلت بمكة والأول خلافه « 1 » . وإذا كان السيوطي يرجح رواية ابن مسعود على أساس أنه كان حاضرا القصة - شاهد عيان - فان الزركشي يضع هذه الآيات تحت « ما نزل من القرآن مرتين » « 2 » والقول بأن الآية نزلت مرتين : مرة في مكة ومرة في المدينة مجرد افتراض ذهني للتوفيق بين الروايات . ولكن إذا كنا في اطار التحقيق التاريخي الذي ينتمي اليه - في جانب منه - علم المكي والمدني فمن الضروري استخدام منهج النقد الذي من شأنه أن يقبل أو يرفض بناء على أسس موضوعية لا علاقة لها بالتوفيق والجمع بين الآراء والروايات المتعارضة . إن القول بنزول الآية مرتين قول قد يبدو له وجاهته من منظور عالم القرآن القديم الذي يفسر ذلك على أساس « التعظيم » و « التذكير » ، ولكنه من منظور الدرس العلمي له خطره على قضية « المكي والمدني » وقضية « أسباب النزول » ذاتهما . وقد ينزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه وتذكيرا به عند حدوث سببه خوف نسيانه ، وهذا كما قيل في الفاتحة نزلت مرتين : مرة بمكة ، وأخرى بالمدينة . . . وكذلك ما ورد في ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) أنها جواب للمشركين بمكة ، وأنها جواب لأهل الكتاب بالمدينة . . . والحكمة في هذا كله أنه قد يحدث سبب من سؤال أو حادثة تقتضي نزول آية ، وقد نزل قبل ذلك ما يتضمنها ، فتؤدّى تلك الآية بعينها إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم تذكيرا لهم بها ، وبأنها تتضمن هذه . والعالم قد يحدث له حوادث فيتذكر أحاديث وآيات تتضمن الحكم في تلك الواقعة ، وان لم تكن خطرت له تلك الحادثة قبل ، مع حفظه لذلك النص . « 3 » ومن الواضح أن هذا الافتراض - افتراض النزول مرتين - قد أدى إلى افتراض آخر مؤداه أن نصوص القرآن التي نزلت كانت عرضة للنسيان ، ومن النبي ذاته ، ولذلك كان يحتاج مع تجدد وقائع شبيهة أن ينزل عليه جبريل - مرة أخرى - مذكرا له بالنص السابق الذي أوحى اليه به من قبل . ومع صحة هذا الافتراض الذي تعارضه كثير من المرويات عن

--> ( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 33 . ( 2 ) البرهان في علوم القرآن : الجزء الأول ، ص 29 - 30 . ( 3 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 29 - 31 .